Friday, March 9, 2018

عن تحفة "بيلاطس البنطي" للبروفيسور طلال درجاني


سوف أبدأ هذا المقال باعتراف، البروفيسور طلال الدرجاني هو شخص أسميه صديقاً بكل فخر، لذلك خلال هذه المقالة سأوقف التظاهر بدعوته البروفيسور درجاني والتزم بتسمية "طلال". بالإضافة إلى ذلك ، لقد قرأت نص المسرحية منذ عدة أشهر منذ أن أرسله لي طلال بكل ثقة وامانة.
ومع ذلك ، فإن الكلمات التالية ليست تلك القادمة من صديق ولكن من هاوٍ معجب.
كل ذلك يأتي بنا الى مسرحية "بيلاطس  البنطي" الجديدة من طلال المبنية  من رواية بولغكوف "المعلم ومارغاريتا" من بطولة خالد العبد الله (مع دراما صوتية) وهشام أبو سليمان ومجيد زغيب (مع دراما حركية) والدكتورة ماريا كريستي باخوس كمساعدة مخرج.
لقد قرأت رواية بولغاكوف، واعترف ان كلمات المسرحية - حتى لو تحولت إلى مونولوجات وحوارات ممسرحة - قد تُرجمت كلمة كلمة تقريبًا من الكتاب الأصلي على الرغم من إعادة صياغتها وترتيبها وصهرها في بعض الاحيان. ويعود ذلك إلى أن طلال يعتقد أنه يجب أن يكون المرء قريباً جداً من النص الأصلي كي تبقى روح الكاتب ونظرته - وهو يكرر نكتة تشيخوف الشهيرة عندما خرج الكاتب القصصي والمسرحي بغضب من البروفات عندما لم يكن المخرج مخلصاً لرؤيته. لقد اغفل طلال مشهداً واحداً من الكتاب وهو مشهد لبلاطس مع كلبه بانغا في الآخرة وفضل ان ينتهي العمل على اشكالية متعلقة بموت يهوذا (لن استطيل اكثر لكيلا افصح عن التفاصيل).
ان واحدة من القضايا الرئيسية في عمل بولغاكوف هي فكرة الخير والشر، وكيف يبدو أن تلك الكلمات تسقط وتنقلب عند التنقيب عنها - لدرجة ان فرقة الرولينغ ستونز استلهمت أغنية "Symptahy for the Devil" او التعاطف مع الشيطان من هذا الكتاب.
لا يكاد يكون هناك شيء يعيب المسرحية، فالاخراج لا تشوبه شائبة ، والتمثيل الرائع، والموسيقى كتبها تشايكوفسكي، والنص تم تعريبه بكل اتقان، ولقد تم استخدام الفضاء المسرحي في حده الأدنى ولكن بمغزى كبير، والرسالة المعاصرة قابلة للتكيف مع عالم اليوم حتى لو كان عمرها أكثر من ألفي سنة.
وقد أخبرني طلال في سياق محادثة خاصة أن مطلبه الرئيسي للممثل الذي سوف يجسد بيلاطس كان ان الممثل المعني "أن يكون له نفس الرؤية" لبيلاطس كالتي لديه، ويمكن القول ان خالد العبد الله يمتلك تلك الرؤية فهو يمثل، ليس فقط بالحركة، بل بصوت يتأرجح بين منخفض وغير مسموع تقريباً ثم يتبعه بعد جزء من الثانية لاحقاً برشقات نارية عالية تطغي على الحاضرين وترسو المسرحية على كاهله في مونولوجات طويلة إلى أن يظهر أبوسليمان بعد ذلك بدور متى (الرسول) بشحصية على وشك الانهيار العصبي الكامل.
بيلاطس رجل ألقي في أورشليم، يعاني من الصداع النصفي، ويصادف أنه يكره حرارة الطقس، ولا يثق إلا في كلبه بانغا، وهو عالق بين الكهنة اليهود من جهة ويسوع الناصري من جهة أخرى.
يطبق طلال ببراعة مبدأ "فرد تشيخوف" حيث يضع المرء شيئاً فقط على خشبة المسرح قفط إذا كان أحد ينوي استخدامه - وبالفعل فقد تحولت الدعائم المسرحية واكسسواراتها الى ادوات تم إعادة تدويرها واستخدامها وإعادة استخدامها بأشكال متغيرة تنتقل من طريقة إلى آخرى.
كيف يمكن ترجمة موضوع المسرحية إلى عالم اليوم هو أمر سهل التفسير - كما لو أن الأمور قد تم تجميدها لمدة عشرين قرنًا مع نفس الغموض بين مفهوم الخير والشر، اضافة الى الاساطير المتعلقة بالشهادة والأبطال الذين سقطوا، التي ان تمت رؤيتها من زاوية أخرى، يمكن دعوتها بالـ"الخيانة" و"العمالة" كما وتظهر عبارة "القدس ، تلك المدينة الملعونة" أكثر من مرة في المسرحية، ويضيف العبد الله صوته الغنائي الحزين والمنتحب لتظهر الرسالة أكثر وضوحاً.
لقد أحببت المسرحية وقد لامست كل جوارحي، ويمكن لقراء المقال استنباط ل المعلومات المتعلقة بالمسرحية في الملصق، ولا يمكنني أن أوصي بمشاهدتها بما فيه الكفاية - حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يهتمون بالمسرح عادة.

No comments:

Post a Comment